في زمنٍ اختارت فيه كثير من الأقلام الصمت، ومالت فيه النخب إلى العزوف عن التوثيق، يخرج الوزير الدكتور كمال بداري عن القاعدة، ويقدّم كتابه “يوميات 2019-2022: استكشاف لبعض الرهانات المعاصرة” كفعل مقاومة فكرية ضد النسيان. هو لا يكتب فقط ليؤرّخ، بل ليمنح المعنى لمرحلة كانت قاسية في تفاصيلها، ثقيلة في أثرها، ومفتوحة على أسئلة لم تُجب بعد.
لقد كانت الجائحة لحظة إنسانية فارقة؛ فقدٌ جماعيٌّ مسّ الصغار قبل الكبار، وترك في النفوس ندوبًا عميقة. ومع ذلك، ورغم حجم المأساة، يكاد المشهد الثقافي يخلو من أعمال تؤرّخ لتلك الفترة: لا من الصحفيين، ولا من المثقفين، ولا حتى من “الجيش الأبيض” الذي واجه الخطر في الصفوف الأولى ودفع ثمنًا باهظًا. أين الشهادات؟ أين الذاكرة المكتوبة؟ ولماذا هذا الصمت في لحظة كان يفترض أن تكون أكثر اللحظات استدعاءً للكتابة؟
وسط هذا الفراغ، يكتسب كتاب كمال بداري قيمته الاستثنائية. فالرجل، رغم مسؤولياته الثقيلة على رأس قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، لم يكتفِ بإدارة الأزمة، بل اختار أن يدوّنها، أن يكتب يومياتها بكل ما فيها من قلق وألم وأسئلة. وهنا تتجلى فرادة التجربة: وزير يقود التحول، وفي الوقت نفسه يلتقط نبض المرحلة، ويحوّله إلى مادة فكرية قابلة للتأمل.
الكتاب لا يكتفي بسرد يوميات الوباء، بل يقدّم قراءة عميقة لرهانات معاصرة كشفتها الجائحة بوضوح: تحولات التعليم، مركزية الرقمنة، هشاشة بعض القيم، وقوة أخرى برزت في زمن الشدة. ومن خلال هذه اليوميات، نلمس كيف تحوّلت الأزمة إلى مختبر حقيقي أعاد طرح أسئلة العلاقة بين الإنسان والمعرفة، بين الدولة والمجتمع، وبين العلم وصناعة القرار.
ولا يمكن قراءة هذا العمل دون التوقف عند التجربة العملية لكاتبه. فقد برز كمال بداري كأحد أبرز من دفعوا نحو رقمنة الجامعة الجزائرية، وتحديث آليات التسيير، وتشجيع الابتكار، وربط البحث العلمي بمتطلبات التنمية. وهي جهود لم تكن مجرد شعارات، بل مسارًا إصلاحيًا ظهر أثره خلال الأزمة، حيث استطاعت الدولة، بشهادة مؤشرات دولية، أن تواجه الجائحة بقدر معتبر من الفعالية، في الوقاية والتشخيص والعلاج، وأن تقف إلى جانب مواطنيها بثبات.
أسلوب بداري في الكتابة يجمع بين البساطة والعمق؛ يكتب بصدق، دون تكلّف، ويمنح القارئ إحساسًا بأنه أمام تجربة حية، لا نصّ بارد. هناك وجع واضح في السطور، لكن هناك أيضًا أمل، وإيمان بقدرة المجتمعات على التعافي وإعادة البناء.
غير أن هذا الكتاب، رغم أهميته، يعيد طرح سؤال مؤرق:
لماذا غابت الكتابة عن هذه المرحلة؟
لماذا تراجع دور الأقلام في لحظة كان يفترض أن تكون لحظة شهادة؟
أين يوميات الأطباء الذين كانوا في الواجهة؟
أين شهادات الصحفيين الذين نقلوا الخوف والرجاء؟
وأين المثقفون الذين يُفترض أن يحوّلوا الألم إلى وعي؟
إن ما قام به كمال بداري ليس مجرد إصدار كتاب، بل هو تذكير بدور الكتابة في حفظ الذاكرة الجماعية. فالأمم التي لا تكتب أزماتها، تتركها عرضة للنسيان أو التشويه.
في النهاية، يظل هذا العمل شهادة شجاعة، وخطوة في الاتجاه الصحيح، ورسالة ضمنية لكل صاحب قلم:
اكتبوا… فالتاريخ لا يُصنع فقط بالأحداث، بل أيضًا بمن يروونها.
شكرًا لكمال بداري، لأنه اختار أن يقف عند أصعب سنتين عاشتهما الجزائر والعالم، لا كمسؤول فقط، بل ككاتب حمل وجع المرحلة، ودوّنه للأجيال.











