معنى الحرب ومعايير النصر
بقلم: الدكتور محمد خوجة
تكشف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أننا إزاء تحول عميق في طبيعة الحرب ذاتها، لا في موازين السلاح فحسب؛ إذ تتواجه عقيدتان مختلفتان: حرب تدمير العتاد وحرب استنزاف وتعطيل تُخاض بتصميم أمة تنخرط فيها الدولة والمجتمع معاً. هذا التحول يعيد طرح أسئلة جوهرية حول معنى النصر والهزيمة، وحدود جدوى القوة النارية في مواجهة خصم يتحرك بعقيدة موزاييك لامركزية، ويراهن على الإرادة والوقت وتعقيد البيئة الإقليمية والدولية أكثر مما يراهن على حماية منصاته العسكرية. من هنا تبرز الإشكالية المركزية: ماذا تقول لنا هذه الحرب عن نهاية زمن الجيوش المركزية التي تحسم الصراع بضربة واحدة، وصعود الحروب الطويلة التي تُدار كاختبار لإرادات الأمم وتماسك ثلاثية الحرب: الحكومة والجيش والشعب؟
الحروب التي تخاض بتصميم أمة خلف قضية عادلة، تتحول من صراع عتاد إلى صراع إرادات، حيث يهزم التفوق الناري أمام تماسك الحكومة والجيش والشعب كما صاغها الجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتز منذ قرنين تقريبا في ثلاثية الحرب وهي: الحكومة و الجيش والشعب.
في حربي التحرير الجزائرية والفيتنامية، إمتلك المستعمر تفوقاً ساحقاً في الطيران والمدفعية والتكنولوجيا، لكن هذا التفوق إصطدم بمجتمعات معبأة ترى الحرب تحريراً وجودياً لا معركة حدود أو نفوذ.
عندما تتحول الحرب إلى “قضية أمة”، تصبح الخسائر والتضحيات جزءا من سردية التحرر، لا مؤشرات هزيمة؛ فينهار منطق “إحصاء القتلى” الذي اعتمدته أمريكا في حرب الفيتنام، مثلما ينهار اليوم منطق عدّ المنصات المدمَّرة في إيران.
الحروب التي يتقرر فيه مصير الدول و الشعوب لا تشبه مبارايات رياضية، حيث النتيجة هي الهدف الزمن والمكان محدَّدان، والانتصار يقاس بالنتيجة على اللوح بعد صفارة النهاية،في الحروب المصمَّمة بإرادة الأمة، المعادلة معكوسة: الحرب ليست هدفا في ذاتها ،بل وسيلة لاختبار الإرادات، والمعنى السياسي والأخلاقي والرمزي للقتال ،هو الذي يحدد من انتصر في الوعي الجمعي، حتى لو أعلن الخصم “تفوقه” رقميا.
الجنرال كلاوزفيتز يرى الحرب فعلا ينشأ من تفاعل ثلاثي: الحكومة التي تحدد الغاية السياسية، الجيش الذي يمسك بأداة العنف المنظمويخوض غمارها، والشعب الذي يمدّ الحرب بالشرعية والروح المعنوية.
في الحروب التحررية، يتوحّد هذا الثلاثي: الحكومة الثورية أو جبهة التحرير تنطق بضمير الشعب، الجيش أو حركات المقاومة يتجذر في المجتمع، والشعب يحتضن القتال ماديا ورمزيا، فيتحول كل قصف إلى عامل تعبئة إضافي لا عامل إنهاك.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نفذت بعقيدة تدمير العتاد، كأن النتيجة تُحسم بمجرد خفض القدرات النارية، وإصابة أكبر عدد من الأهداف في الزمن الأقصر، وفق منطق “حملة” أكثر منه منطق صراع مجتمعات.
أما العقيدة الإيرانية القريبة من خبرة الحروب التحررية، فتعاملت مع الحرب كإختبار صمود سياسي ومجتمعي، حيث يصبح الهدف تعقيد حسابات الخصم، وتعطيل النظام الإقليمي والدولي الداعم له، مع الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على الرد، لا منع كل هجوم عسكري،وهذا درس يحتاج الكثير من التأمل و الادراك و الاستيعاب ، للدول و الشعوب التي تعاني من الحيف و الظلم، ومن معضلات وجودية في أمنها و في وجودها.
حروب الجزائر والفيتنام، ثم تجارب أفغانستان والعراق، تؤكد أن الجيوش الحديثة المتفوقة تقنياً، تظل عاجزة عن حسم صراع ضد خصم يرفض التمركز، ويستند إلى شرعية شعبية وقضية يعتبرها عادلة وغير قابلة للمساومة.
تكشف الحرب الراهنة أن معيار الانتصار لم يعد عدد الطلعات أو دقة الصواريخ، بل قدرة الدولة على الحفاظ على تماسك ثلاثية الحكومة والجيش والشعب، وعلى إبقاء معنى الحرب لصالحها في الوعي الداخلي والإقليمي والدولي.
في النهاية، لا تقاس أهداف الحروب بما يُدمَّر خلالها من عتاد ومرافق تحتية، بل بما تخلّفه في ميزان القوى، وبما تحفره في أعماق المجتمعات التي خاضتها وتحملت كلفتها. الحرب التي تنتهي بتعديل معادلة التوازن لصالح قضية تُدركها الأمة عادلة، وتفضي إلى إستعداد جماعي لتحمل التضحيات، من أجل إعادة تشكيل الموازين والبيئة التي تخدم مصالح الدولة والأمة، تُسجَّل في الوعي الجمعي كحرب لامناص من خوضها، مهما كانت قسوتها.
في المقابل، يخرج جزأ كبير من مجتمع الطرف الاخر من الحرب، مثقلاً بالشعور الأخلاقي بالذنب، مدركاً أن الدماء التي أُريقت كانت ثمناً لحسابات سياسية خاطئة، أو مغامرات قيادات منفصلة عن شعبها، يتحول الميدان إلى محكمة مستمرة، وقد يخرج الناس إلى الشوارع لإدانة الساسة الذين أشعلوا هذه الحرب، كما حدث في الولايات المتحدة خلال سبعينات القرن الماضي. بهذا المعنى سيتحدد مصير الحرب: وتثبيت سردية من إنتصر فيها في النهاية، سردية أمة تأكد لها إنتصار قضيتها، فحوَّلت الألم إلى رأس مال معنوي وسياسي، أم سردية شعب يكتشف أنه كان وقوداً لحرب عبثية، فيحوّل غضبه نحو قيادته بدل خصومه











