• الأحدث
  • الترند
الناقد نور الدين السد يقف على مجرى نهر خطيبي

الناقد نور الدين السد يقف على مجرى نهر خطيبي

2026-04-12
الوزير بداري يكسر صمت النخب ويكتب عن الجائحة

الوزير بداري يكسر صمت النخب ويكتب عن الجائحة

2026-04-17
الإسلام رسالة عالمية

الإسلام رسالة عالمية

2026-04-12
اليامين زروال في مجلة الجيش

اليامين زروال في مجلة الجيش

2026-04-12
مرحبا بضيف الجزائر في عاصمة السلام.

مرحبا بضيف الجزائر في عاصمة السلام.

2026-04-10
بشائر الخير..

بشائر الخير..

2026-04-10
تنصيب محافظي المهرجانات

تنصيب محافظي المهرجانات

2026-04-10
إجراءات لتصنيف المسارات الأغسطينية لدى اليونسكو

إجراءات لتصنيف المسارات الأغسطينية لدى اليونسكو

2026-04-10
معنى الحرب ومعايير النصر

معنى الحرب ومعايير النصر

2026-04-08
هل فرضت إيران منطقها

هل فرضت إيران منطقها

2026-04-08
سعيود في مجلس الأمة

سعيود في مجلس الأمة

2026-04-08
البابا ليو الرابع عشر والجزائر… رسالة سلام إلى العالم

البابا ليو الرابع عشر والجزائر… رسالة سلام إلى العالم

2026-04-08
الحكومة تتابع نتائج زيارة رئيس النيجر للجزائر

الحكومة تتابع نتائج زيارة رئيس النيجر للجزائر

2026-02-19
الحصين
  • الرئيسية
  • وطني
  • العالم
  • مجتمع
  • إقتصاد
  • تكنولوجيا
  • ثقافة
  • الحصين TV
  • رياضة
  • المزيد
    • ترند
    • الرأي
    • منوعات
لاتوجد
عرض الكل
الحصين
لاتوجد
عرض الكل

الناقد نور الدين السد يقف على مجرى نهر خطيبي

بعد فوز روايته بالجائزة العالمية للرواية العربية

بقلم الحصين
2026-04-12
في الرئيسية, ثقافة
0
قراءة في رواية «أغالب مجرى النهر» للروائي سعيد خطيبي
. مقال – نورالدين السد
تُعدّ رواية «أغالب مجرى النهر» للروائي سعيد خطيبي نصا سرديا معبّرا عن عوالم الذات في مواجهة الارتطام بالعالم، ويكشف عن بنى دلالية مركّبة تُنتج تجارب معرفية وجودية متخيّلة في مواجهة القهر والتباس المعنى، هذا النص السردي يفيض بالتوتر النفسي والاجتماعي، ويُقدم تجربة “التفتيش” المهينة كمدخل لاستكشاف عوالم القمع والذات المنكسرة.
* في عتبة العنوان والمغالبة السيزيفية:
يتحرك العنوان «أغالب مجرى النهر» في فضاء سيميائي مشحون بالمقاومة، و”المغالبة” فيه فعل استمراري يوحي بالصراع ضد تيار جارف، بينما “مجرى النهر” يمثل حتمية الزمن، أو حتمية التاريخ، أو السلطة بأنواعها والتعسف في استعمالها، من المنظور الأسلوبي، يضعنا سعيد خطيبي منذ العتبة الأولى أمام ذوات تحاول استعادة توازنها في بيئة قمعية لا تكف عن محو الملامح الإنسانية.
*- أسلوبية المكان (المحبس أو السجن) بوصفه عدماً:
يبرز المكان هنا بوصفه “حيزاً مغلقا” (سجن أو مركز احتجاز)، يتحول المكان من مجرد خلفية إلى “سجان” بحد ذاته (الباب الحديدي، الكوّة، السور)، إنه مكان يفقد فيه الفرد خصوصيته وحريته، والمكان في المقطع المشار إليه (ص10) (الزنزانة/داخل المخفر) ليس مجرد حيز جغرافي، بل هو فاعل درامي يمارس الخنق، ويشكل ضيق الأفق: «هذا المكان، الذي لا تتعدى مساحته خمس خطوات طولاً ومثلها عرضاً» (ص 10)، فتكرار الأرقام والقياسات يعكس الرغبة في السيطرة على الفراغ، لكن “خطوات الطول والعرض” المتساوية تخلق مربعاً خانقاً يشبه القبر.
— المكان ورائحة الذاكرة تقول الساردة: «أحدق في الحيطان التي تطوقني، ولا تفارق منخري رائحة زنخة فاحت من مغسلة مصنوعة من خزف» (ص 11)، الرائحة هنا علامة سيميائية على العفن السياسي والاجتماعي، المكان يمتلك رائحة “الزنخ”، وهي صفة للفساد والتحلل، مما يعمق الشعور بالاغتراب المكاني.
السارد يعرف بالمكان ( بوسعادة) من خلال التعريف بالشخصية المركزية في التحقيق معها في مركز الشرطة، حيث يسجل التحقيق وما تضمنه من حوار داخلي مشاعر وأفكار، يقول السارد: «شرع المحقق يلطم آلة الكاتبة التي لم تشتغل، فخشيت أن يصب نرفزته على رأسها، إن اشتكت إليه وجود نمل في الأكل الذي قدم لها، حدقت في وجهه الطويل الذي يشوبه شارب خفيف، وأفادته بمعلوماتها، التي دونها بقلم:
– عقيلة تومي، المولودة خالدّي، في 28 مارس 1957 ببوسعـادة، ابنة عزوز وقمرة ديلـي، ساكنة في حي الهضبة.
سألها عن عملها وهو يعلم أنها قد داوت أمه وأنقذتها من العمى:
– طبيبة عيون، في عيادتي الواقعة في حي 19 جوان، عاد الدم إلى شرايينها بعدما تدفق الماء في حلقها، وأصرت على السؤال:
– لماذا سارعتِ إلى توقيفي يوم أمس؟ وقد كان يوم إجازة!» (ص13) الشخصية المركزية وهي “عقيلة تومي” من بوسعادة هذه المدينة لها سحرها الخاص، ولها ما لها في سيرورة أحداث الرواية ومجرياتها، فالوقائع معظمها جرت في بوسعادة، وهي المدينة التي شكلت ذاكرة الشخصيات، وطبعت سلوكها.
— الشخصية والصراع النفسي:
الساردة (أنا): تعيش صراعاً بين الكبرياء والانكسار، تشعر بأن التفتيش الجسدي هو عراء للروح لا للجسد (“أتعرى من روحي لا ثيابي”).
الشخصية المقابلة (المفتشة/الشرطي): تظهر كقوة باردة، مجردة من الإنسانية، تمارس سلطة “التشييء” (التعامل مع الساردة كأنها “شاة”).
شخصية الابنة (الغائبة الحاضرة): تمثل الابنة الرابط العاطفي والدافع للندم والشعور بالذنب (“أخطأت في إنجابها”)، إنها تجسد الصراع بين غريزة الأمومة وواقع القمع.
جدلية الذنب والأمومة: يتأول النص الأمومة في مناخات القمع كنوع من “الخطيئة”، تشعر الساردة بالذنب لأنها أتت بطفلة إلى عالم قد يسلبها كرامتها كما فعل معها الآن.
الغضب بوصفه حيلة الضعفاء: تتبنى الساردة مقولة والدها بأن “الغضب حجة الضعفاء”، وهو تأويل يفسر صمتها وكبتها لمشاعرها أمام المفتشة، مفضلة الانكفاء الداخلي على المواجهة الخاسرة.
— سيميائية الجسد المنهك واستلاب الكرامة:
في الصفحات (10-12)، ينبري الجسد كعلامة سيميائية مركزية، لم يعد الجسد وعاءً للروح، بل تحول إلى “موضوع” للفحص والإهانة، وتفتيت الذات، وفي هذا تقول الساردة: “لا أتعرى أمام أقرب الناس إليّ، لكنني امتثلت وساورني شعور بأنني أتعرى من روحي لا ثيابي»(ص 12)، هنا نجد انزياحا أسلوبيا من “عري الجسد” إلى “عري الروح”، سيميائيا، الثياب هي الستر الثقافي والاجتماعي، ونزعها قسراً هو نزع للمواطنة وللحرمة الشخصية.
الجسد يفقد حرمته ويتحول إلى شيء، حيث تصف الساردة عملية الفحص الطبي القسري الذي مورس عليها وتتساءل: «كأنني شاة يتفحصها زبون، عارية رحت أتساءل في نفسي: علام توقعت أن تعثر؟ مخدرات أم سلاح؟» (ص 12)، استخدام التشبيه (كأنني شاة) ينقل الشخصية من رتبة “الإنسان” إلى رتبة “الحيوان/البضاعة”، هذا المسخ السيميائي يعكس وحشية السلطة، وتعسف المتسلط الذي يحول الطبيبة من (رمز العلم والشفاء) إلى متهمة مستباحة.
تهمة طبيبة الأعين والنقابية “عقيلة تومي” هي التواطؤ مع زوجها مخلوف تومي الطبيب الشرعي باستئصال قرنيات الأموات من المشرحة والمتاجرة بها، وزرعها في عيون ممن يطلبها من المرضى مقابل أثمان باهضة يأخذ ثلاث أرباعها مخلوف الذي يخاف استئصال القرنيات من عيون الأموات، ولكن يشجع زوجته الطبيبة على ذلك لأنه يتقاضى مقابل ذلك أموالا من زبائن زوجته التي كانت تقول له: أنت خواف” لأنك لا تملك الشجاعة وتستأصل القرنيات من أعين الأموت، تقول: «وصلتُ إلى المشرحة من أجل التكفّل بجثّة شاب في الحادية والعشرين من عمره. «اسمه سمير قليش»، قال مخلوف، وأضاف: «هوى من الطابق الخامس، وجرت جمجمته مثل حساءٍ على الرصيف».
تقول الطبيبة في حوار داخلي: «يتعيّن عليّ استئصال قرنيّتي الميّت. ذلك الفعل يُشعرني برضا عن نفسي، بأنّني أسديتُ خدمة للأحياء، الذين سوف يرتدّ إليهم بصرهم، كذلك أكون قد أفرحتُ زوجي الطبيب الشرعي، صاحب المكان، الذي تريحه مذمّتي بدل مدحي، والذي يقف أمامي، عاقدًا يديه المغطّاتين بقفّازَيْن مطّاطيَّيْن خلف ظهره، صامتًا مثل مؤمنٍ خاشع في الصلاة.» (ص17)
وبينما هما في حوار ، قالت له:
« — أنتَ خوّاف.
هزأتُ بصوتٍ خافتٍ، مترقّبة ابتسامة منه، لكنّه رمقني بنظرةٍ فيها شرر، مقطّبًا حاجبيه:
— أخاف ربّي.
أنا أيضًا أخاف الله وأستجيب لقوله «من أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعًا»، وكلّ القرنيّات التي أقتلعها، أزرعها في عيون مرضى، مثل مَن يزرع محبّة في قلوبٍ معتلّةٍ، فتعيد إليهم الأبصار، بعد أن يقبض زوجي ثلاثة أرباع ثمنها. ولا غرو في أنْ صرتُ أشهر طبيبةٍ في بوسعادة، فمن المرضى مَن يعرض عليّ سبائك ذهبٍ كي أتدبّر له قرنيّة.
هاتان القرنيّتان الجديدتان ستذهبان إلى السيّدتين: فوزيّة الخيّاطة، التي أصابت قرنيّتَها قروح، وتخشى ألّا تعود إلى مهنتها، وشهلة البرق، التي ناضلت إبّان الاستعمار والتي يوقّرها كبار القوم، بدأت قرنيّتها تتلف، وإذا عالجتها فسوف تتوسّط لي عند أصحاب المكاتب المكيّفة والبطون المتدلّية، في قضاء حاجاتي.
أقنعتُ المرأتين بأنّني أستورد القرنيّات، مع علمي أنّ الكذب يُزهر لكنّه لا يثمر، ولم تشكّا في أنّني أحوزها من مشرحةٍ في مدينةٍ يبغض أهلها التبرع بالأعضاء، مستشهدين بكلامٍ من الدين، بأنّ للميّت حرمةً وأنّ بدنَه أمانة، كذلك أبغض مجادلة مخلوف الذي يعترض على كلّ كلامٍ أتلفّظ به، لكنّه لا يعترض على فعلي المناوئ للقانون، ما دام يراكم منه مالًا، استأصلتُ قرنيتَي الميّت اليمنى فاليسرى، مثل ميكانيكيٍّ يقتلع قطعتيّ غيارٍ من مركبةٍ معطوبة.
في الماضي، كلّما هممتُ بنزع قرنيّةٍ، ارتعد قلبي مثل سمكةٍ علقت في خطّاف صنّارةٍ، خوفًا من فشل العمليّة، وفي الليل توقظني كوابيس وشعري ملتصق بخدّي من شدّة التعرّق، رأيتُ مرّة، في المنام، ميتًا يستفيق ويحتجّ على فعلتي، يطاردني وأنا أركض بقدمين حافيتين، ومرّة رأيتُ نفسي قد متّ، وأخذتْ طبيبة بلا ملامح تقتلع قرنيتيّ، وأنا أرجوها أن تكفّ عن فعلها من دون أن تسمع صوتي، ثم تمرّستُ في عملي وتخلّصتُ من عادتي القديمة بعضّ باطن خدّي، بفضل الموتى تغلّبتُ على خوفي.
لم يدم اقتلاع القرنيتيْن أكثر من نصف ساعة.» (ص 17-18)
** سيمياء الجسد بين أسلوب المواجهة والعبور:
شخصية “جمال درقين” شرطي محقق يجمع بين صرامة القانون وعمق الإنسان، وهذا ما يتجلى في بعض سلوكه حواره مع “عقيلة” الطبيبة
«انهمك جمال درقين في تدوين أقوال عقيلة تومي، التي سألت نفسها:
كيف للمرأة أن تعرف شريكها إذا لم تتخاصم معه؟
خفّ اهتزاز ركبتها اليسرى، ثمّ أجابت عن سؤالها:
النساء يتشاجرن دفاعًا عن أنفسهن، لا مقتًا لأزواجهنّ.
تعلم “جمال درقين” الصمت إزاء المشتبه بهم، كي يتيح لهم فرصة للإفصاح، لكنّها عادت إلى صمتها، فبادرها:
ماذا تعرفين عن مخلوف؟
ليس الكثير.
إن أقررتِ بما فعلتِ به، فقد ينطق القاضي بحكم مخفّف في حقّك.
أراد أن يُطمئنها إلى أنّه يقف إلى جانبها.
أنا مستعدّة لمواجهة القاضي (ص21)
ساءل جمال درقين كثيرًا من المشتبه بهم، الذين كرّروا أسطوانتها، في نفي الشكوك عن أنفسهم.
الجميع يشهد بحسن سيرتي. اسأل عائلتي، مرضاي وكذلك زملائي الأطباء.
من المحتمل أنّكِ أحسنتِ إلى الناس جميعهم، لكنّكِ أذنبتِ في حقّ أحدهم… هذا ما جال في باله من غير أن يُقاطع كلامها.
الطبيبة يهمّها مساعدة الغير لا إيذاؤهم.
…
كلّما عالجتُ مريضًا شعرتُ براحةٍ في قلبي.
نبّهها أنّ مهمّته تنفيذ القانون، لا الإصغاء إلى مدحها نفسها.
ثمّ مدح نفسه بدوره:
لقد حللتُ ستّ عشرة قضية قتل هذا العام!» (22)
– يصف السارد حركة وسكون جسد عقيلة بدقة متناهية، ويصف حركة التحول من “القلق” إلى “الثبات” ف”خفّ اهتزاز ركبتها” الفعل (خفّ) هو علامة سيميائية على الانتقال من حالة “الضحية” المستسلمة لتوترها الجسدي إلى حالة “الذات” الممسكة بزمام المبادرة، توقف الاهتزاز هنا هو “توقيع جسدي” على صدق الإجابة التي ستليها.
سيمياء الجسد (الحركة واللاوعي)
“اهتزاز ركبتها اليسرى”: علامة تدل على القلق أو التوتر النفسي الكامن، توقف هذا الاهتزاز (“خفّ”) يشير إلى استعادة السيطرة أو الوصول إلى حالة من التصالح مع الذات قبل الإدلاء بإجابة حاسمة.
الصمت: يبرز الصمت هنا كأداة سيميائية مزدوجة؛ فهو عند “جمال” تقنية استدراج (إتاحة فرصة للإفصاح)، وعند “الطبيبة” هو مساحة للمراجعة أو الامتناع عن التورط.
– سيمياء الحوار: الصراع بين “الأسطوانة” و”الابتكار”:
“كرروا أسطوانتها”: يصف المحقق دفاع المتهمين بالأسطوانة (علامة على التكرار والرتابة)،
— التوازن بين السلطة والاعتراف:
حتى المحقق “جمال”، رغم صرامته، يظهر في جانب إيجابي عندما حاول “أن يطمئنها إلى أنه يقف إلى جانبها”، هذا يشير إلى أن القانون ليس مجرد آلة صماء، بل يمكن أن يحمل وجهاً إنسانياً يسعى للوصول إلى الحقيقة عبر “الاحتواء” بدلاً من “القمع”.
لكن “عقيلة” تكسر هذه الرتابة بجرأة السؤال الفلسفي: “كيف للمرأة أن تعرف شريكها…؟”، هي لا تدافع عن نفسها بالهرب، بل بالهجوم المعرفي.
* سيمياء المكان والمكانة (العيادة = غرفة التحقيق):
تستخدم “عقيلة” علامات مهنتها (الطبيبة، المرضى، زملائي) لتخلق فضاءً رمزيًا موازيًا لغرفة التحقيق، هي تحاول “تطبيب” الموقف، بينما يحاول المحقق “قوننته”.
* مغالبة المجرى بالاعتراف بالذات:
بعيداً عن ثنائية (متهم/محقق)، يمكن تأويل هذا النص بوصفه “مانيفستو” للتحرر النفسي والاستحقاق الوجودي:
— الخصام كأداة “معرفية” لا “تدميرية”
التأويل المعتاد يرى في الشجار مؤشراً سلبياً، لكن النص يقلب الآية: الخصام هو “مختبر المعرفة”، و”عقيلة” هنا لا ترى في الصدام شراً، بل تراه وسيلة للشفافية، هي تقول إن العلاقة الحقيقية هي التي تصمد أمام “مغالبة” الرأي الآخر، تماماً كما يغالب الإنسان مجرى النهر ليعرف قوة ذراعيه.
— “تأنيث” فعل الدفاع: الخصام كحماية للحب
في عبارة “النساء يتشاجرن دفاعًا عن أنفسهن، لا مقتًا لأزواجهن”، تأويل إيجابي مذهل: إنها تعيد تعريف “العنف اللفظي” أو الشجار بوصفه فعل صيانة للذات، المرأة هنا لا تشتبك لتدمير الآخر، بل لكي لا تذوب فيه وتفقد كيانها، الشجار هو “حدود” تحمي كينونة المرأة لكي تستمر في الحب وهي “موجودة” لا “ممحوة”.
— “الراحة في القلب” كمرجعية عليا فوق القانون:
عندما تضع عقيلة “راحة قلبها” في كفة مقابل “تنفيذ القانون” في كفة المحقق، فإنها تجترح تأويلاً إيجابياً للوظيفة الإنسانية: إن جدوى الحياة تُقاس بـ “الأثر الجواني” (الراحة) لا بـ “الإنجاز البراني” (حل القضايا).
المحقق يفتخر برقم (16 قضية قتل) – وهو رقم يرتبط بالموت.
الطبيبة تفتخر بشعور (الراحة) – وهو شعور يرتبط بالحياة، وهنا نجد أن الطبيبة تنحاز لانتصار “سيميائية الحياة” على “سيميائية الإجراء”.
— الذات الواعية والمسؤولة:
تظهر “عقيلة تومي” (أو الطبيبة) كنموذج للمرأة القوية التي لا تنكسر أمام سلطة التحقيق، قولها: “أنا مستعدة لمواجهة القاضي” يعكس شجاعة أدبية عالية؛ فهي لا تهرب من قدرها، بل تملك الجرأة للوقوف أمام العدالة، مما يوحي بنوع من “البراءة النفسية” أو الإيمان بقضية ما.
— فلسفة الدفاع عن الوجود
في جملة “النساء يتشاجرن دفاعًا عن أنفسهن، لا مقتًا لأزواجهن”، نجد تأويلاً إيجابياً للصراع الإنساني، الشجار هنا ليس كراهية أو رغبة في التدمير، بل هو “فعل حياة” يهدف إلى حماية الذات وكرامتها، هو تأكيد على أن المحرك الأساسي للفعل الأنثوي هو “الحب والاحتواء” وليس “البغض”.
— سموّ الرسالة المهنية: عندما تقول الطبيبة: “كلّما عالجتُ مريضًا شعرتُ براحةٍ في قلبي”، ننتقل من سياق الاتهام إلى سياق “الخلاص”، هذا التأويل يضع “الخير” كأصل في النفس البشرية، ويجعل من المهنة (الطب) وسيلة لتحقيق التوازن الروحي.
** الثنائيات الضدية (المربعات السيميائية)
يرتكز النص على تقابلات جوهرية تبني الصراع الدرامي:
الجريمة (مخلوف) مقابل الإنسانية (الطب): الطبيبة تحاول إزاحة صفة “المجرم” عنها واستبدالها بصفة “المداوي”.
القانون (التنفيذ) مقابل الأخلاق (الشهادة بالخير): المحقق يمثل صرامة النص القانوني، بينما تمثل الطبيبة رمزية السيرة الحسنة.
الرجل والمرأة: يطرح النص فلسفة جندرية في جملة “النساء يتشاجرن دفاعًا عن أنفسهن”، مما يحول “الشجار” من فعل عدواني إلى فعل “دفاعي”.
— سيمياء الخطاب (الأنا والآخر)
خطاب اليقين: “أنا مستعدة لمواجهة القاضي”. علامة على القوة والندية.
خطاب الإنجاز: ينهي المحقق النص بمدح نفسه “حللتُ ست عشرة قضية”، وهي علامة سيميائية على الرغبة في إثبات السلطة والتفوق أمام ثبات الطبيبة.
رغم أن السياق يبدو تحقيقاً جنائياً حول “جريمة قتل”، إلا أنه يمكن تأويل النص من زاوية إنسانية وفلسفية إيجابية:
**- نِدّية الأنا: محاكاة الاعتداد بالنفس:
المحقق “مدح نفسه بدوره”، ذلك أن “عقيلة” نجحت في عدوى المحقق بـ “الأنسنة”؛ فبعد أن كان صامداً خلف درع القانون، اضطر أن يخرج منه ليمدح نفسه كإنسان يبحث عن اعتراف، لقد “غالبت” عقيلة مجرى التحقيق حتى جعلت المحقق يطلب منها “تقديراً” لنجاحه، مما حوّل الجلسة من استجواب لمجرمة إلى مساجلة بين ناجحين.
والحوار بينهما ليس قصة اتهام، بل هو إعلان بأن “الذات التي تخدم الآخرين (الطب) وتدافع عن كرامتها (الشجار) لا يمكن أن تنهزم أمام جفاف النصوص القانونية”، “عقيلة” تغلبت على “مجرى النهر” (الاتهام) بفيضان إنسانيتها ويقينها الداخلي، إن هذا الحوار يقدّم صراعاً بين “العدالة القانونية” و “العدالة النفسية”، التأويل الإيجابي يرى في الطبيبة رمزاً للإنسان الذي مهما حاصرته الظروف (الشكوك)، يظل متمسكاً بتاريخه المهني الناصع وقوته الداخلية، معتبراً أن “المواجهة” هي الطريق الوحيد للتطهر والوضوح.
— بلاغة “النهر” والذاكرة المرتعشة:
بالانتقال إلى المقاطع التي قدمتها الرواية حول النهر، نجد أن “الماء” في الرواية يفقد صفته التطهيرية ليصبح أداة للتعذيب النفسي أو مرآة للفقد.
— الارتعاش أمام التدفق: “النهر يلتف حول ذاكرتي كما يلتف الريح حول الشجرة، لا أستطيع أن أستعيد ما مضى دون أن أرتعش” (ص 23)، استعمل الروائي سعيد خطيبي فعل “يلتف” وهو فعل يوحي بالحصار (سيميائية الاختناق)، الذاكرة ليست حرة، بل هي محاصرة بـ “النهر” الذي يمثل ربما تاريخ الجزائر المثقل بالدماء والتحولات.
— النهر كعلامة للمحو: “كلما اقتربت من الماء، شعرت بصدى أصواتٍ لم تعد لي، كأن النهر يذكّرني بأنني لم أعد أملك شيئا” (ص 57)، النهر هنا هو “سارق الهوية”، الأصوات التي تصدر عنه هي أصوات الغرقى، أو الراحلين، أو الذوات القديمة التي صهرها الواقع الجديد، سيميائيا، الماء الذي كان رمزا للحياة أصبح رمزا لـ “اللاشيء”.
— ثنائية (الطبيبة/السجينة) وصراع الأدوار:
تظهر الساردة في النص بصفتها “طبيبة” تعلمت “كبت القلق وتحمل المشقات”، لكنها أمام جبروت القمع تنسى كل ذلك: “لكنني نسيت كل ما تعلمته، مُصرّة على أن خطأ قد وقع، فأنا لم أفعل شيئا يستحق سجني” (ص 11).
— المفارقة الأسلوبية: تكمن في الفجوة بين “المعرفة” (الطب) و “الواقع” (السجن)، هذا التضاد السيميائي يبرز عبثية القدر في مجتمع يغيب فيه المنطق.
— الأمومة المكسورة: يبرز صوت الابنة كخيط رفيع يربط الساردة بالحياة: “تخيلت ابنتي تدس رأسها في حجري… ما تخافيش ماما” (ص 12). هذا المونولوج الداخلي يكسر حدة المشهد القمعي، ويخلق توازنا عاطفيا يعمق مأساة الشخصية، إن رواية «أغالب مجرى النهر» لسعيد خطيبي، من خلال هذه المقاطع، ليست مجرد سرد لتجربة اعتقال، بل هي مانيفستو أسلوبي حول هشاشة الكائن البشري أمام الآلة البيروقراطية والقمعية.
النهر في الرواية هو “التاريخ” الذي يجرف في طريقه كل محاولات الاستقرار، والمغالبة هي “الكتابة” التي يحاول من خلالها سعيد خطيبي تثبيت الذاكرة قبل أن تتبخر في مجرى النسيان، إن رواية «أغالب مجرى النهر» تعيد إنتاج صورة “الجزائر” كفضاء للمغالبة المستمرة، حيث الإنسان دائماً في حالة “تفتيش” وبحث عن معنى ضائع، وسط ركام الروائح الزنخة، والوجوه الشامتة..
* الزمن كإيقاع دلالي:
يتسم الزمان بالثقل والبطء، الإشارة إلى “أذان الظهر” وتكرار “قصار السور” تعكس محاولة الساردة لقياس الزمن في عزلتها، هو زمن نفسي دائري يعيش على ذكريات الماضي وتوجسات المستقبل.
إيقاع التكرار والتقطيع حيث يتكرّر في الرواية مشهد «المجرى» بوصفه خطا مفتوحا نحو الذات والنهاية المحتملة، والتكرار هنا ليس تكرارا نصّيّا عاديا، بل إيقاعا سيميائيا يدلّ على مقاومة الذات لنهاية محتومة.
— عزف على توقّعات القارئ:
تداعيات زمنية تهزّ بنية الخطاب السردي من خلال هذا الإيقاع، يصبح «المجرى» رمزًا للاشتغال الوجودي، والبحث الفلسفي عن الذات.
— الدلالات السيميائية للمكان:
— المكان في الرواية يستعمل كإشارة وتأويل، بحيث لا يوجد في الرواية مكان مجرد؛ فـ «المكان» في الرواية يتحوّل إلى شبكة من الدلالات التي تشير إلى انفصام الذات، ومحاولة الاندماج، وصراع الحدود بين الداخل والخارج، ويظهر المكان كمشهد ثنائي البُعد: بُعد واقعي مألوف، وبُعد تأويلي رمزي، وهذا التحالف بين الواقع والرمز يُثري النص ويجعله قابلاً لتعدد مستويات القراءة.
— التناص والمرجعيات:
تُوظّف الرواية إشارات وانزياحات نحو تيارات سابقة في الرواية العربية، وخصوصًا في توظيف الذاكرة والبحث عن الذات والاسترجاع السردي، لكنّها تصوغها بأسلوبها الخاص، إذ يتقاطع الماضي والحاضر في بنى لغوية تضاعف العمق التأويلي.
* التناصّ الثقافي والفكري:
يستدعي النص إشارات متنوعة، من البلاغة إلى الفلسفة، وبذلك تصبح الرواية مجالًا متعددا من الثراء المعرفي، وهو ما يؤسس للتأويل ويجعل النص السرديّ كثيفا وزاخرا بالمعاني والدلالات.
وهنا يتحول الأسلوب من أسلوب عادي إلى أسلوب كينوني، وتعتمد الرواية على بناء أسلوبي يتمحور حول: التكرار البنيوي، والاستعارة المركّبة، والانقطاع والتوصيفات الغامرة،
كلّ هذا يحدث ضمن شبكة لغوية مكثّفة تصوغ خطابا ليس فقط حكائيّا، بل تأمّليّا دلاليّا.
— الرموز والخارج النصّي:
تتضمن الرواية رموزًا قوية: «المجرى» → رمز للمصير، للوعي، للبحث
«الصمت» → رمز للمقاومة
«الذات» → كاشف للتشظّي
* الإشارة والدلالة:
من المنظور السيميائيّ، كلّ عنصر في الرواية هو علامة تنتج دلالة تتجاوز نفسها:
مستوى العلامة اللغوية
مستوى العلامة النفسية
مستوى العلامة الوجودية
يؤدي هذا إلى فضاء دلالي متعدّد الطبقات، وفي التأويل كما هو معلوم لا نقرأ النص بمعزل عن القارئ؛ بل نقرأه كـ”مرآة للذوات” المتعدّدة، فالتجربة السردية قد تكون تجربة الذات في العالم، وتجربة القارئ في الذات.
* جدلية المغالبة والانسياب:
رواية «أغالب مجرى النهر» لا تُقرأ من زاوية الحكاية وحدها، بل تقرأ كنصّ يُلزم قارئه بالانتقال من مستوى الحدث إلى مستوى الخطاب، ومن السرد إلى البنية، ومن المعنى الظاهر إلى الرؤية الكامنة، فالمسألة هنا ليست: ماذا يحدث؟ بل: كيف يُبنى الحدث داخل شبكة من العلامات؟ وكيف تتحول التجربة الفردية إلى رؤية للعالم؟
ينبغي منذ البدء التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة:
– مستوى الحكاية (الأحداث).
– مستوى الخطاب (كيفية تقديم الأحداث).
– مستوى الرؤية (النظام القيمي الذي يحكم البناء كله).
وسيكون تحليلنا موجّها نحو تفكيك هذه المستويات في تفاعلها، انطلاقًا من فرضية أساسية مؤداها أن النهر في الرواية ليس عنصرا طبيعيا بل هو علامة مركزية مولِّدة لبقية العلامات، وأن فعل المغالبة هو البؤرة التأويلية التي تنتظم حولها الرؤية إلى العالم.
* البنية السردية وبناء الصوت — تفكك المركز وثنائية الذات:
منذ الصفحات الأولى، يواجه القارئ خطابا ذاتيا مشوبا بالتأمل، حيث لا يظهر السارد بوصفه راويا محايدا، بل ذاتًا منخرطة في التجربة ومراجِعة لها في الآن ذاته، في أحد المقاطع المبكرة يرد تعبير يفيد أن النهر «لا يمرّ كما نظن، بل يأخذنا معه»، هذا التحول من تصور النهر كموضوع خارجي إلى إدراكه كقوة حاملة يكشف عن انزياح في تموضع الذات: من موقع المراقِب إلى موقع المحمول، نحويا يتحقق ذلك عبر انتقال الفعل من صيغة اللازم إلى صيغة التعدي؛ ودلاليا يتحقق عبر انتقال الذات من مركز الفعل إلى هامشه؛ إننا هنا أمام تفكك تدريجي لمركزية الأنا.
سيميائيًا، يتأسس هذا التفكك عبر علاقة دال/مدلول مزدوجة: فالنهر دالّ على الطبيعة، لكنه في المستوى العميق مدلول للزمن، للقدر، للتحول الاجتماعي، ومن خلال هذا التراكب، تتحول الذات إلى علامة داخل نظام أكبر، لا إلى مصدر للمعنى، وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ”الوعي القائم” وهو وعي هشّ، يدرك محدوديته داخل تيار أكبر، غير أن هذا الوعي لا يتوقف عند حدّ الإدراك، بل يسعى إلى إنتاج “وعي ممكن” عبر فعل السرد ذاته؛ أي عبر محاولة الإمساك بالتيار لغويًا.
* هندسة الزمن — من التسلسل إلى التقطيع الدلالي:
لا تعتمد الرواية خطًا زمنيًا مستقيما، بل تتأسس على تقنيات الاسترجاع والتداعي، حيث تتجاور الأزمنة وتتداخل دون فواصل حادة، في مقطع يتحدث السارد عن استعادة وجوه مضت «كي لا يجرفها النهر»، هذه العبارة القصيرة تكشف بنية زمنية معقدة: فالفعل المضارع “يجرف” يستحضر حاضرًا دائما، بينما “استعادة الوجوه” تشير إلى ماضٍ مستعاد، والتوتر بين الفعلين يولّد زمناً مركبًا، لا هو ماضٍ خالص ولا حاضر صافٍ، بل زمن ذاكرة مقاومة، والذاكرة هنا ليست مجرد موضوع، بل هي علامة مضادة للنهر، فإذا كان النهر دالا على الانسياب والمحو، فإن الذاكرة دالّة على التثبيت والمقاومة، ويتأسس المعنى من جدلية الدالين المتقابلين، ومن هذا التقابل ينبثق الوعي الممكن: وهو وعي يعتبر أن استعادة الماضي ليست ارتدادا، بل فعل بناء للمعنى في الحاضر.
* سيمياء النهر — العلامة الأم وشبكة التوليد الدلالي:
النهر في الرواية ليس خلفية مكانية، بل هو البنية العميقة التي تنتظم حولها باقي العلامات: الجسد، الوجوه، البيوت، الفقد، الرحيل، في أحد المواضع يوصف الماء بأنه «لا يتذكر أسماءنا» (ص. …).
هذا الإسناد المجازي يكشف عن مفارقة عميقة: الطبيعة بلا ذاكرة، والإنسان مثقل بالذاكرة، ومن خلال هذه المفارقة يتحدد موقع الإنسان في العالم: كائن واعٍ في كون لا يعترف به.
وهنا نجد أنفسنا أمام علامة ذات وظيفة مزدوجة وهي: وظيفة إحالية (النهر كعنصر طبيعي)،
ووظيفة رمزية (النهر كزمن وتاريخ ومصير)،
ومن تراكب الوظيفتين يتولد المعنى المركب: الحياة ليست سكونا بل انسيابا، والإنسان لا يملك إيقاف التيار بل فقط مغالبته.
* بناء الشخصيات — من الكيان إلى العلامة:
الشخصية المركزية لا تُبنى وفق منطق الفعل البطولي، بل وفق منطق التأمل والارتداد إلى الداخل، إنها شخصية تحلل أكثر مما تفعل، وتتذكر أكثر مما تتحرك، هذا الاختيار الأسلوبي يعكس رؤية تعتبر أن المعركة الأساسية ليست خارجية، بل داخلية.
— الشخصيات الثانوية بدورها لا تُمنح استقلالية كاملة، بل تُقدَّم بوصفها مرايا دلالية تعكس جوانب من الذات أو من التحول الاجتماعي، وهكذا تتحول الشخصية من كيان حكائي إلى علامة داخل نظام دلالي أوسع.
* رؤية العالم — من الوعي القائم إلى الوعي الممكن:
الرواية في عمقها، تطرح سؤال العلاقة بين الإنسان والزمن، العالم فيها ليس فضاءً ثابتا، بل تيارا متغيرا، لا يمنح الطمأنينة بل يفرض التحول، والوعي القائم يدرك هشاشته أمام هذا التيار، لكنه لا يستسلم له، ومن خلال فعل المغالبة — الذي يتكرر في مستويات مختلفة — يتشكل الوعي الممكن، وهو وعي يعتبر أن المعنى لا يُستمد من الانتصار، بل من الاستمرار في المقاومة.
إن الخطاب الروائي هنا لا يقدّم أطروحة مباشرة، بل يبني رؤيته عبر توظيف العلامات: النهر، الذاكرة، الوجوه، الجرف، الاستعادة، ومن تفاعل هذه العلامات تتشكل شبكة دلالية تنتج رؤية للعالم قوامها: الاعتراف بالتحول، والإيمان بالفعل الرمزي، ومقاومة المحو عبر اللغة.
ومن هنا تبدو لنا رواية «أغالب مجرى النهر» أنها ليست رواية عن حدث بعينه، بل هي خطاب عن الإنسان في مواجهة الزمن، لأنها تؤسس لمعنى المغالبة لا بوصفها انتصارا حاسما، بل بوصفها شرطا لوجود المعنى ضد نفسه.
ومن خلال ذلك نلاحظ أن البنية اللغوية تحمل الرؤية، بينما الزمن يُبنى كعلامة، والنهر يشكل الدال المركزي، والذات تتحول من مركز ثابت إلى موقع مقاوم داخل شبكة العلامات، وهكذا يولّد الوعي القائم وعيًا ممكنًا عبر فعل السرد.
* البناء السردي كهيكل دلالي:
ويتجلى من خلال الزمن السردي وتناصّ الخطابات، حيث تبتعد الرواية عن الزمن الخطيّ التقليدي لتقارب الأزمنة المتداخلة؛ زمن الذاكرة، وزمن الحاضر، وزمن القهر، وهنا يؤدي الزمن دورا سيميائيا في تشكّل معاني العبور والبحث عن الذات، إذ يتداخل مع تكرار سردية تؤسس لرمزية الانقطاع والاستمرارية، فالزمن في الرواية لا يمرّ بل يتموضع: في اللاوعي، على ضفّة الوجدان، وفي صدى الصراع بين الذات وباطنها.
— تعدد الأصوات بين السارد والمرويّات:
تنقل الرواية من مستوى السارد المهيمن كلّي المعرفة والإدراك إلى مستوى السارد المحايد، وتوظف تقنية التناوب السردي فتظهر الذات المتكلمة على خلفية ضمير غائب ورمز متخيّل، هذا التناوب يتيح إقامة علاقات إشارية بين السارد والحدث والمعنى المرجوّ، بهذا الأسلوب يبدو السارد المراقب يؤسس لمراقبة الذات والمكان، والسارد المتكلّم يفضي إلى الكشف عن الانزياحات النفسية، والنتيجة هي بناء نصي يؤدي إلى انزياح إشارية يترك القارئ في حال تأمّل، مستثيرا سلسلة من الدلالات التي تتجاوز الحدود السطحية للرواية.
* دينامية العلامة وبناء المعنى — من الدال المفرد إلى الشبكة الدلالية:
إذا كان النهر هو العلامة المركزية في الرواية، فإن اشتغاله لا يتم في عزلة، بل ضمن شبكة من العلامات المتجاورة والمتفاعلة، إن المعنى في «أغالب مجرى النهر» لا يُنتَج من دالّ منفرد، بل من علاقات بين دوال، ومن توتر بينها، ولذلك فإن التحليل هنا ينبغي أن ينتقل من تحليل العلامة المفردة إلى تحليل النظام العلاماتي، حين يقول السارد في موضع دال إن «الوجوه التي أحببتها صارت تبتعد كما تبتعد الضفّتان»، فإن العلاقة بين الوجوه والضفتين ليست مجرد تشبيه عابر، بل هي تأسيس لمعادلة رمزية: الإنسان/الضفة، والنهر/المسافة الفاصلة، الضفة في الثقافة الرمزية هي الاستقرار، بينما النهر هو الحركة، وعندما تتحول الوجوه إلى ضفاف تبتعد، فإن المعنى الذي يُبنى هو أن الفقد ليس حدثًا طارئًا، بل هو نتيجة حتمية للانسياب…
سيميائيًا، تتشكل هنا سلسلة دلالية:
الضفة ← الثبات ← الأمان ← الماضي
النهر ← الحركة ← الفقد ← الحاضر المتحوّل
ومن تقابل السلسلتين ينشأ التوتر الذي يغذي الخطاب كله، إننا أمام بنية تقابلية لا تنتهي بحسم لصالح أحد الطرفين، بل تبقى مفتوحة، وهو ما يعكس رؤية العالم التي لا تؤمن بالثبات المطلق ولا بالتحول المطلق، بل بالجدل بينهما.
* اقتصاد اللغة والانزياح الأسلوبي — كيف تُبنى الرؤية عبر التركيب:
تتميّز لغة الرواية بقدر من الاقتصاد التعبيري؛ فالجمل ليست زخرفية، لكنها مشبعة بدلالات إيحائية، في أحد المقاطع يُقال إن «الماء كان يلمع كأنه يعرف طريقه وحده» ، اللمعان هنا ليس توصيفًا بصريا فحسب، بل هو إشارة إلى يقين الطبيعة في مقابل حيرة الإنسان، فالماء «يعرف»، بينما الذات تبحث.
هذا الإسناد (الماء يعرف) يشكّل انزياحًا دلاليًا يُعيد توزيع صفات الوعي بين الإنسان والطبيعة، ومن خلال هذا الانزياح يتولد سؤال وجودي، إذا كانت الطبيعة تعرف طريقها، فأين طريق الإنسان؟ وهنا يتبلور الوعي القائم بوصفه وعيا بالحيرة، لا وعيا باليقين.
اللغة إذن لا تنقل الفكرة مباشرة، بل تُشيّدها عبر انزياح في الإسناد، وعبر مفارقة خفية بين الذات والعالم، وهذا ما يجعل الأسلوب نفسه منتجا للرؤية، لا مجرد وعاء لها.
* الجسد بوصفه علامة — تمفصل الوجود المادي والرمزي:
في بعض المواضع يحضر الجسد بوصفه كيانا يتأثر بالتيار، سواء على مستوى التعب أو البرودة أو الإحساس بالماء، هذا الحضور لا ينبغي قراءته بوصفه توصيفا فيزيائيا، بل بوصفه تمثيلا ماديًا للعلاقة بين الذات والعالم، فالجسد هو الحدّ الفاصل بين الداخل والخارج، بين الوعي والنهر،
حين يشير السارد إلى أنه «يشعر بثقل الماء على كتفيه»، فإن الثقل هنا ليس مجرد إحساس جسدي، بل هو استعارة لثقل الزمن أو الماضي، الجسد يصبح موقعًا لتجسّد العلامة، أي نقطة التقاء بين الدال الطبيعي والمدلول الرمزي،
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الرواية تبني علاقة ثلاثية:
النهر (العالم المتحوّل)
الجسد (الذات المادية)
الوعي (الذات المفكرة)
ومن تفاعل هذه العناصر يتولد المعنى، فكلما اشتد ضغط النهر، ازداد توتر الجسد، وارتفع منسوب التأمل في الوعي، إن البناء السردي هنا يحول التجربة الحسية إلى سؤال وجودي.
* الوعي القائم والوعي الممكن — قراءة في البنية العميقة للرؤية:
من خلال تحليل العلامات المتكررة، يتبين أن الرواية تبني مستويين من الوعي:
– الوعي القائم: وهو وعي بالهشاشة، بالتحول، بعدم القدرة على إيقاف التيار، يتجلى هذا الوعي في الاعتراف بأن «الماء لا ينتظر أحدًا»، هذه العبارة تختزل تصورًا للعالم بوصفه حركة لا تعبأ بالفرد.
– الوعي الممكن: وهو وعي يتولد من فعل السرد ذاته، فحين يستعيد السارد تفاصيل الماضي، أو يحاول تسمية ما يمر به، فإنه يمارس فعل تثبيت رمزي، اللغة هنا تصبح أداة مقاومة، لا أداة وصف فقط.
إن الفرق بين الوعيين لا يكمن في تغيير الواقع، بل في تغيير الموقف منه، الوعي القائم يكتشف العجز، أما الوعي الممكن فيحوّل هذا الاكتشاف إلى معنى، ومن هنا يمكن القول إن الرواية لا تقدّم مشروع خلاص خارجي، بل تقترح خلاصا تأويليا: أي تحويل التجربة إلى خطاب.
* بنية الفقد والحنين — العلامة بوصفها أثرا
يتكرر في الرواية استدعاء وجوه وأماكن وأسماء مضت، لكن هذا الاستدعاء لا يأتي بصيغة نوستالجية ساذجة، بل يأتي بوصفه إدراكا للفقد، حين يقال إن «الأسماء تختفي كما يختفي أثر القدم في الطين»، فإن التشبيه يحيل إلى أثر سريع الزوال، لكنه يترك علامة مؤقتة.
هنا تتجلى وظيفة الذاكرة بوصفها حفظا للأثر، لا استعادة كاملة للشيء، المعنى لا يُستعاد كما كان، بل يُعاد بناؤه، وهذا يعزز فكرة أن الرواية تبني المعنى عبر العلامة، لا عبر الحدث.
*- سيمياء الحب وعلاقة “عقيلة” بـ “ثامر”:
« بادرني بهمس: “اسمي ثامر” ، تبادلنا كلمات عجلة وأنا أحدق في ذقنه البارزة بلحية نامية، ثم تجددت لقاءاتنا كلما عدت إلى بوسعادة في إجازة.
كنّا نلتقي بعيدًا عن الأعين… خلف مقرّ الحزب، الذي علّته لافتة «الاشتراكية، خيار لا رجعة فيه»، وظننتُ أنَّ ثامر خياري الذي لا رجعة فيه كذلك… راسلني مرّة واحدة، كتب لي برقية بخطّ رديء وأخطاء… يقول فيها: إنَّ «كلالة تملأ العين»، وسقطتُ أنا من عينه… انقطع عنّي وضاع قلبانا. ملأ صدري حزنًا مشوبًا بغضبٍ منه… وقضيتُ سنواتٍ لا أثق في الرجال سوى بمقدار ما أحتاج إليهم.» (ص 47، 48، 49، 50، 51)
تستعرض الصفحات (47-51) ذاكرة “عقيلة تومي” المليئة بالخيبات العاطفية، بدءًا من علاقتها السرية بـ “ثامر” التي ولدت في مناخات سياسية متوترة (خلف مقر الحزب)، وانتهت برسالة جافة أعلنت القطيعة، هذه الصدمة ولّدت لدى عقيلة جدارًا من عدم الثقة تجاه الرجال، جعلها تحصر علاقتها بهم في “المنفعة” أو الحاجة المهنية كطبيبة، يظهر في النص أيضًا “مخلوف” زوجها كشخصية من الماضي تثير ارتباكها، و”ميلود” أخوها الذي يمثل السلطة الاجتماعية والرقابة الذكورية، النص يبرز الصراع الداخلي بين رغبة عقيلة في التحرر من سطوة الماضي (الذي تمثله صورة زوجها على المكتب) وبين قلقها من الملاحقة (سيارة الرينو 4).
يعتمد النص على سيميائية المكان والجسد لتمرير دلالات الاغتراب:
الحب وسيمياء المكان: اللقاء خلف لافتة “الاشتراكية” يحمل مفارقة تهكمية؛ فبينما يبشر المكان بالثبات (“خيار لا رجعة فيه”)، تتسم العلاقة بالهشاشة والزوال، المكان هنا “لا مكان” يجسد تهميش العاطفة في ظل الشعارات الكبرى.
الحب وسيميائية الجسد واللون: تصف عقيلة “ثامر” بتفاصيل دقيقة (شارب خفيف، بشرة خمرية، عرق) كدلالة على “الشهوة المستعادة” بالذاكرة، بينما تصف زوجها في الصورة بجمود (بدلة زرقاء، ربطة عنق حمراء) كدلالة على “الرسمية الميتة”.
الشيء/الأيقونة: “سيارة الرينو 4” تتحول من مجرد جماد إلى “علامة ملاحقة” ورمز للقلق الوجودي الذي يطارد الطبيبة في محيطها الاجتماعي.
— سيمياء الحب:
تتجلى علاقة عقيلة تومي بـ “ثامر” في الرواية بوصفها “سيمياء الخيبة المبكرة”. إنها ليست مجرد قصة حب فاشلة، بل هي “نص” موازي للواقع الجزائري المثقل بالتحولات.
— الحب كخيار سياسي “مجهض”
ارتباط ثامر بشعار “الاشتراكية” خلف مقر الحزب لم يكن عابرًا، لقد استعارت عقيلة لغة “الحزب” لتصف مشاعرها (“خياري الذي لا رجعة فيه”)، هنا تتحول العاطفة إلى “أيديولوجيا فردية”؛ وعندما سقطت هي من “عينه” كما في البرقية، لم يكن ذلك سقوطًا للمرأة فحسب، بل كان سقوطًا لليقين المطلق، سيمياء “الخط الرديء” في رسالة ثامر تشير إلى رداءة المرحلة، وإلى أن “البطل” الذي رسمته مخيلتها لم يكن سوى وهمٍ مكتوب بلغة مهلهلة.
— جدلية “العين” و”الكلالة”
يبرز الرمز البصري في قول ثامر “إنَّ كلالة تملأ العين”، أسلوبيا وسيميائيا العين هي أداة المعرفة والاعتراف بالآخر. حين يصاب ثامر بالكلالة (ضعف البصر أو التعب)، فإنه يعلن “عمى عاطفيًا” إراديًا، هذا الانسحاب جعل من “ثامر” غائبًا حاضرًا؛ هو الذي علّمها كيف تنطق “أحبك” بتؤدة، وهو الذي علّمها -بصدمة الرحيل- كيف تلوذ بالصمت خلف مئزرها الطبي.
— ثامر كـ “نص غائب” وعقيلة كـ “تأويل مستمر”:
علاقة عقيلة بثامر هي علاقة “المرآة المحطمة”. هي ترى نفسها من خلال ما تركه فيها من ندوب، إن استحضارها لتفاصيل جسده (زغب صدره، رائحة التبغ) مقابل نفورها من نظرة أخيها “ميلود” أو برود صورة زوجها “مخلوف”، يثبت أن ثامر هو “الدال” الوحيد الذي كان يمنحها إحساسًا بأنوثتها قبل أن تتحول إلى مجرد “طبيبة” تحارب التحرش وتخشى القيل والقال.
إن سيمياء الحب هنا هي سيمياء “الانتظار المنقطع”؛ حيث يتحول المحبوب إلى “نفايات” في ذاكرة المدينة (كما يعمل والدها في جمع النفايات)، لكنها نفايات مقدسة ترفض عقيلة كنسها من مخيلتها، لأنها العلامة الوحيدة على أنها كانت يومًا ما… “حية”.
* خطاب الرواية وبناء رؤية العالم:
إذا جمعنا العناصر السابقة — النهر، الزمن، الجسد، الذاكرة، الفقد — نجد أنها تنتظم داخل رؤية واحدة: العالم ليس استقرارا بل حركة، والإنسان ليس سيد الحركة بل شاهدًا عليها، لكنه قادر على إنتاج معنى منها.
رؤية العالم في الرواية ليست تشاؤمية ولا تفاؤلية بالمعنى البسيط، بل هي جدلية: تعترف بالانسياب، لكنها تمنح قيمة للمغالبة، المغالبة هنا ليست هزم النهر، بل الاستمرار في السباحة داخله، أي الاستمرار في الوعي.
— إن تحليل مكونات الخطاب الروائي في «أغالب مجرى النهر» يكشف عن نصٍّ يقوم على هندسة دقيقة للعلامة، حيث تتوزع الدلالات ضمن شبكة مترابطة تُنتج رؤية للعالم قوامها التوتر بين الانسياب والمقاومة، وأسلوب الرواية ليس سطحا لغويا، بل هو تجلٍّ للرؤية، والزمن ليس تسلسلا، بل تجربة وعي، والنهر ليس عنصرًا طبيعيًا، بل دالٌّ جامع تتولد منه بقية العلامات، والشخصيات ليست كيانات حكائية فقط، بل علامات داخل نظام دلالي.
إن رواية سعيد خطيبي «أغالب مجرى النهر» ليست مجرد سرد لحكاية؛ بل هي بنية دلالية متحرّكة تتفاعل مع القراءة الداخلية والخارجية للنص، وتكمن أهميتها في قدرتها على استثارة التأويل المتعدّد عبر بنية سردية معكوسة، وإيقاعات زمنية مكرّرة، ورموز تتجاور لتفتح فضاءات دلالية، ولذلك فإن النصّ لا يروي مجرى النهر فحسب… بل يغازل مجرى الوعي، ومن خلال هذا تتأسس الرواية كفعل تأويلي مضاد للمحو؛ أي كخطاب يحاول تثبيت المعنى في عالم متحوّل، وهنا تكمن فرادة النص في قدرته على تحويل تجربة شخصية إلى رؤية وجودية عامة، دون أن يسقط في التجريد المباشر، إن رواية «أغالب مجرى النهر» هي خطاب عن الاستلاب؛ حيث يتحول الإنسان من “ذات” لها إرادة إلى “موضوع” يخضع للفحص والتدقيق، والأستاذ الروائي سعيد خطيبي ينجح في تحويل لحظة عابرة (تفتيش) إلى مأساة وجودية تختزل علاقة الفرد بالسلطة، وعلاقة الأم بالقدر.
——- يتبع ———
المرجع:
سعيد خطيبي، أغالب مجرى النهر، منشورات هاشيت أنطوان/نوفل، 2025.
. نورالدين السد
مشاركةغردأرسلمشاركة
الاشتراك
تسجيل الدخول
نبّهني عن
guest
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

أحدث المواضيع

الوزير بداري يكسر صمت النخب ويكتب عن الجائحة

الوزير بداري يكسر صمت النخب ويكتب عن الجائحة

2026-04-17
الإسلام رسالة عالمية

الإسلام رسالة عالمية

2026-04-12
اليامين زروال في مجلة الجيش

اليامين زروال في مجلة الجيش

2026-04-12
الحصين

الحصين موقع إخباري، حيث الخبر المؤكد حصانة و أمان.
الحصين أول موقع للدفاع عن الوطن.

Recent News

  • الوزير بداري يكسر صمت النخب ويكتب عن الجائحة
  • الإسلام رسالة عالمية
  • اليامين زروال في مجلة الجيش
  • About
  • advertise
  • Privacy & Policy
  • Contact Us

© 2026، كل الحقوق محفوظة لحصين. تطوير: شركة رانوبيت.

لاتوجد
عرض الكل
  • الرئيسية
  • وطني
  • العالم
  • مجتمع
  • إقتصاد
  • تكنولوجيا
  • ثقافة
  • الحصين TV
  • رياضة
  • المزيد
    • ترند
    • الرأي
    • منوعات

© 2026، كل الحقوق محفوظة لحصين. تطوير: شركة رانوبيت.

This website uses cookies. By continuing to use this website you are giving consent to cookies being used. Visit our Privacy and Cookie Policy.
wpDiscuz